|
الحاجة أم صلاح: هُجرنا بسبب هزيمة الجيوش العربية ولن نعود لديارنا إلا بالقوة |
|
حفنة من التراب ومفتاح الدار وذكريات أليمة كل ما حملته الحاجة "أم فواز" من الفالوجة |
![]() |
|
الحاجة أم صلاح: هُجرنا بسبب هزيمة الجيوش العربية ولن نعود لديارنا إلا بالقوة رغم السنوات الطويلة والثقيلة في ذات الوقت التي مرت على الحاجة أم صلاح التي تجاوز عمرها الثمانين عاماً , ورغم الألم الكبير والمعاناة الطويلة والمتواصلة , والنكبات والنكسات والهزائم الكثيرة التي منيت بها الأنظمة العربية حينما واجهت دولة المسخ الصهيونية , ورغم سنوات الفقر المدقع والحاجة لأبسط الحقوق البشرية والإنسانية, ورغم الخذلان المتواصل , والتقاعس الإسلامي عن نصرة أهل فلسطين المستمر , إلا أن الحاجة أم صلاح لا زالت تتذكر ما حدث لها ولعائلتها وإخوانها جراء ما حصل لهم في عام النكبة ذلك العام الذي قامت فيه دولة الكيان المسخ على أنقاظ بيوت الفلسطينيين البسطاء الذين جردوا من أسلحتهم البسيطة التي كانت في أيديهم درجة أنهم منعوا من حمل السكين أو وضعه ولو في المنزل لغرض قضاء الحوائج المنزلية .
لم يكن من الصعب أن تبدأ أم صلاح بالحديث معنا خاصة أن الموضوع الذي جئنا نريدها الحديث فيه ليس بعيداً عن لسانها ووجدانها وذاكرتها التي يشكل فيه عام النكبة أخدوداً من الأحزان والأشواق .
أبت الحديث إلا بعد أن شربنا كوباً من الشاي الساخن الذي صنع على نار الحطب بعد نفاذ الوقود جراء الحصار الظالم وبدأ الحديث الذي أخد منا كل السمع والبصر والفؤاد ليس نحن فحسب بل أحفاد أم صلاح العشرين الذين تجمعوا كبارهم وصغارهم ليشاركونا جلسة من الجلسات الجميلة حيث الذكريات الرائعة والحكايات الطريفة .
فاجأتنا الحاجة أم صلاح في بداية حديثها بتحليلها للأحداث التي أدت إلى النكبة والتي توصلت من خلالها إلى حقيقة أكيدة وحتمية وهي أن هذا الكيان الصهيوني ما استطاع أن يكون نفسه ويبني دولته وكيانه المسخ على هذه الأرض إلا عبر المساعدات الغربية والبريطانية على وجه الخصوص وعبر التواطؤ والخيانة العربية حيث قالت أم صلاح وبلغتها البسيطة " كنا في أرضنا عايشين بسلام مبسوطين , ماكلين ,شاربين , بنحب بعضنا , وبنعطف على بعضنا وكل الناس كويسين مع بعض , وكانوا الانجليز يغلبوا الناس صحيح لكن الناس كانت مستحملة لأنو مفش معها حاجة تعملها لكن ما كفى الانجليز انهم قاعدين على صدور الناس , راحوا وصاروا يسهلوا لليهود ويشتريوا الأراضي ويهجموا على المزارع وحقول الناس ويعملوا مستوطنات على أراضي يشتروها من الفلاحين بعد ما يخسروهم ويحرقوا شجرهم أو يشتروها من العملاء اللي كانوا يشتروا هذي الأراضي , وكان الانجليز يحموهم والعرب والمسلمين شايفين اللي بيصير فينا وساكتين وظلينا هيك بين ظلم اليهود والانجليز وسكوت العرب عنا لما طردونا اليهود من أرضنا بعد ما صار الهم قوة وسلاح " مأساة الهجرة وتوسعت الحاجة أم صلاح بعد ذلك وهي تسرد لنا مأساة التهجير مأساة الهجرة والهروب من نيران الصهاينة الملتهبة حيث قالت " هجمت علينا الطيارات وبدت ترمي الصواريخ وصار الناس يشردوا , خاصة بعد ما سمعوا الناس عن المجازراللي كانوا يعملوها في القرى اللي كانوا يدخلوا فيها , فخافوا الناس وصاروا يشردوا من الخوف كل ناس على أقرب منطقة إحنا اطلعنا من عاقر وظلينا شاردين لحد ما قعدنا في رفح , واسمعنا عن دخول الجيوش العربية وانهزموا وشردوا وسابوا أهل فلسطين لحالهم , وبدا الفقر والجوع يطب في الناس وما عمرو حدا دور على الناس وصاروا الناس في الخيام اللي كانت لا تحميهم لا من الحر ولا من البرد "
وفجأة وفي منتصف الحديث عرجت أم صلاح وفي رأي مميز لها أبدت فيه موقفها من الدول العربية حيث أكدت أن الدول العربية كان لها دور كبير في سقوط فلسطين بأيدي المحتلين وقيام كيان الصهاينة المسخ عبر تواطؤ بعض زعماء العرب مع الصهاينة والبريطانيين .
وفي ختام حديثها معنا أشادت أم صلاح بالمجاهدين والمقاومين وأكدت أنه لن تعود فلسطين إلا عبر المقاومة والجهاد حيث قالت " والله يا بني ما بترجع الأرض إلا زي ما راحت بسلاح وقوة وهدول اليهود لا يعرفون إلا القوة "
ودعت الحاجة للمقاومين وشباب المقاومة بالسداد والتوفيق وأن يسدد الله رميهم .
انتهى لقاؤنا بالحاجة أم صلاح بعدما شممنا عبر كلماتها نسيم الحنين للوطن وعبق الحب للبلد والقرية , انتهى لقاؤنا بها بعدما شاهدنا في عيونها التي أحاطتها تجاعيد الزمن صورة فلسطين خضراء مشرقة , انتهى اللقاء بعدما وجدنا في قلبها الكبير عشقاً كبيراً للوطن والأرض والدين والمقاومة والجهاد , انتهى اللقاء وقد وجدنا في عيون أحفاد أم صلاح وفي كلماتهم إصراراً على العودة والانتصار , انتهى اللقاء ونحن على يقين أن شعب فلسطين حتماً سيعود ليحقق نبوءة الأجداد الذين قالوا دوماً " إنا عائدون " ..............................................
الحاجة ظريفة تروي رحلتها الشاقة من يافا إلى مخيمات اللجوء مازالت ذاكرة الحاجة ظريفة عبد الله التي هجرت قسرا من مدينة يافا الفلسطينية المحتلة عام (1948) تحتفظ بأخر لحظات خروجها وزوجها من بيتهم في المدينة التي أصبحت اليوم تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي وتحولت إلى أكبر مدن دولة الاحتلال .
فرغم كبر سنها حيث دخلت في عقدها الثامن تذكر مرحلة شبابها التي عاشتها في المدينة المحتلة ، وتقول الحاجة ظريفة والتي انتقلت حاليا لتستقر في الخليل: " بدأ الناس بتناقل الأخبار عن أن عصابات اليهود المسلحة تهاجم منازل الفلسطينيين وتقوم بذبحهم وكنت اسكن مع زوجي في حي المنشية بالمدينة وأخبرنا زوج عمي بأنه يفضل الخروج حتى تستطيع الجيوش العربية قصف عصابات اليهود وفعلا جمعت ملابسنا وبعض ما خف وزنه من أغراض " .
وتضيف الحاجة :" لم أكمل جمع ملابسنا وكنت أجهز في ابني سليم حتى بدأ صوت النار يقترب من حينا وبدأت جارتي تطرق الباب وتخبرني أنه يجب الخروج فاليهود يقومون بذبح كل حي فيه فلسطينيون وفعلا دخلت لأخذ ابني وحقيبة الملابس لكني تفاجئت أن ابني لم يكن موجود في المنزل ولا أعلم أين ذهب وبدأت بمناداته والصراخ حتى جاء والده وغادرنا بسرعة رغم صراخي المتواصل " .
وتروي الحاجة مرحلة انتقالهم من يافا إلى القدس حيث كان يقطن بعض أقارب زوجها ، وتقول :" تمكن زوجي من توفير سيارة لتنقلنا إلى مدينة القدس وأخبرني أن ولدنا سليم موجود مع عمته بعد أن عثرت عليه قرب منزلنا لوحده وبقي معها " .
ولم تتوقف المأساة عند التشرد والبعد عن الولد ، فرغم وجودها بمدينة القدس وليست ببعيدة عن بيتها وولدها الوحيد فعندما أكملت عصابات الاحتلال الإسرائيلي احتلال بقي الأراضي الفلسطينية طالت المأساة مجددا الحاجة ظريفة .
وتواصل روايتها التي أصبحت تاريخا يوثق لإثبات الحق في العودة للأرض ، وتستذكر تلك اللحظات عندما اندلعت الحرب عام 1967 حيث خرجت تحمل ابنها الذي ولد في القدس وأسمته سليم ليحمل اسم شقيقه الذي مازال مفقودا مع عمته " .
وتقول الحاجة ظريفة :"خرجت مع زوجي وحملت ابني الذي كان عمره آنذاك خمسة أعوام على أكتافي وبدأنا بالسير لمسافات طويلة عبر الجبال باتجاه الخليل وخلال ذلك كان قصف الطائرات متواصل حتى وصلنا وزوجي وبعض أقاربه إلى أحد الجبال في الخليل وكان هناك كهفا وقرر زوجي أن نجلس فيه لفترة من الزمن حتى تهدأ الأوضاع " .
وعاشت الحاجة ظريفة وأكثر من ثلاثين شخصا من عائلة زوجها في الكهف عدة أشهر ثم انتقلوا إلي مخيم الفوار جنوب الخليل ـ حيث كان هناك تجمع للاجئين الفلسطينيين منذ العام 1949 و عاشت عدة أعوام وانتقلت لاحقا لتعيش في الخليل وعلمت لاحقا بان ولدها سليم الذي فقدته في يافا انتقل للعيش في الأردن مع عمته .
ومازالت الحاجة ظريفة تتمنى أن تحقق حلمين لها قبل الموت ، حيث حلمها بالعودة لمنزلها بيافا وحي المنشية الذي عاشت فيه ، والحلم بلقاء ولدها الذي يعيش في الأردن قبل أن تفارق الحياة " .
وفي سؤال لها ان تقبل بأن تنقل للعيش بالادرن مع ولدها دون العودة إلي يافا والتخلي عنها ، أجابت الحاجة ظريفة وبدون تفكير طويل أو تردد بان العودة الى يافا هو حلمها وحلم ابنها سليم فاللقاء في يافا وهي لن تخرج من فلسطين إلا القبر أو الى منزلها في يافا .
وتضم محافظة الخليل مخيمين للاجئين الفلسطينين ، وهما مخيم العروب شمال المدينة ومخيم الفوار جنوب المدينة . ويقيم في مخيم الفوار 7434 لاجئا فلسطينيا ، حيث أسس عام 1949 على مساحة 360 دونم ، ويعتمد ساكنو المخيم بالكامل تقريبا على العمل داخل الأراضي المحتلة عام 48 . ويعود السكان بأصولهم إلى القرى القريبة من الخليل، مثل الفالوجا، وجميل، وعراق المنشية، التابعة لقضاء غزة، وقرى بيت جبرين، وكوبر، ودير الدبان، والدوايمة، حيث أقاموا في منطقة مخيم الفوَّار، وكانت ينابيع المياه ما اجتذبهم للإقامة في هذه المنطقة، حيث ثمة 7 عيون، يستفاد الآن من 4 عيون. أما مخيم العروب شمال الخليل فقد تأسس عام 1949م من قبل وكالة الغوث لتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في منطقة تدعى وادي الصقيع ، بلغت مساحة المخيم عام 1949م حوالي 258 دونماً ازدادت المساحة نتيجة التوسع العمراني إلى 347 دونماً منها 298 دونماً أراضي زراعية . وبلغ عدد سكان المخيم عام 1967م حوالي 3600 نسمة ارتفع إلى 4900 نسمة عام 1987م ويقيم الآن أكثر من 8600 لاجئ فلسطيني وفقاً لتقديرات وكالة الغوث، ومعظمهم من القوى العاملة الذين يعملون في قطاع الخدمات وعمال بالأجرة في مختلف القطاعات في الضفة. ................................................. حفنة من التراب ومفتاح الدار وذكريات أليمة كل ما حملته الحاجة "أم فواز" من الفالوجة رغم مرور ستون عاما على نكبة فلسطين عام 1948م ومازلت الحاجة أم فواز النجار التي هجرت الفالوجة ظلما وعدوان بعد أن أقدم الاحتلال الإسرائيلي على اغتصاب أرض فلسطين وشرد أهلها وارتكب المجازر، تحتفظ بذرة تراب من قريتها التي ولدت وترعرعت بها وبمفتاح منزلها البسيط الذي كان يقيها من برد الشتاء القارص وشدة الحرارة في فصل الصيف.
احتلت هذه القرية 24 فبراير عام 1949 م بعد توقيع الهدنة الإسرائيلية - المصرية والتي نصت على انسحاب القوات المصرية من الفالوجة بعد مقابل بقاء السكان الأصليين في القرية، ولكن بعد أيام طردت القوات الإسرائيلية السكان الفلسطينيين من الفالوجة وكان يقدر عددهم أكثر من خمسة آلاف لجأ معظمهم إلى قطاع غزة ومدينة الخليل بينما توجه آخرون إلى عدد من الدول العربية..
لم يبقى من قرية الفالوجة شمال قطاع غزة غير أحجار متناثرة وشجر الصبار، وللقرية قصة مختلفة، فقد بدأت بعض الهجمات عليها عام 1948، وحوصر فيها اللواء المصري خدم فيه آن ذاك الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، حتى توقيع اتفاق الهدنة بين مصر وإسرائيل، فانسحب اللواء ومعه بضع مئات من السكان الفلسطينيين فقط، ومنح ممن تبقى من السكان الحماية على أنفسهم، غير أن القوات الإسرائيلية بدأت بأعمال قتل وسرقة، ما دفع من تبقى من السكان الفلسطينيين على الرحيل..
حفنة من التراب ومفتاح من الدار لم يبرح يدها، وذكريات أليمة هو كل ما حملته "أم فواز النجار" مع عائلتها بعد لجوئهم من قرية الفالوجة.
أم فواز التي ظهرت عليها ملامح الشيخوخة قالت: هذه التراب من تراب الفالوجة لها معي من يوم أن هاجرنا منها وأنا مخبئتهم، حملتها والآن كلما يموت أحد من أضع من هذه التراب على قبره.
وحول أجواء الحياة في اللجوء قالت الحاجة: حياة غلب حياة سوء حياة فقر، لم نكن نلقى شيء نلبسه لم نكن نلقى لقمة نأكلها نذهب ونبحث في الحصيد ونلقى بعض السبلات ونطحنها بالحجارة ونعجنها ونخبزها ونأكلها، والحمد لله ربنا أنعم علينا وكبر أولادنا وتعلموا وتوظفوا..
بقي المفتاح لكن الدار في الفالوجة هدمت، كما هدمت جميع بيوتها القديمة وتوسعت على أراضيها قرية "كريات غات" الإسرائيلية أما قيمة المفتاح فهي معنوية في حياة العائلة التي تسلمته آن ذاك من الآباء وتمرره اليوم للأولاد والأحفاد.
|